الترخينة.. حكاية خريف دافئ في الشرق الكوردي

هيئة التحرير3 ديسمبر 20250آخر تحديث :
الترخينة.. حكاية خريف دافئ في الشرق الكوردي

بين برد كرمانشاه الأول ورائحة أوراق البلوط اليابسة، حافظت “الترخينة” على حضورها كطبق دافئ يجمع العائلة في بيوت سربل ذهاب. وفي أجواء خريفية تعيد الذاكرة إلى الزمن الكردي القديم، بقي منزل “داخاتون” مثالًا للدفء الشعبي، حيث يعيد القدر النحاسي المتصاعد منه البخار نكهة الطفولة وطقوس الشتاء.

هذه التفاصيل الحياتية البسيطة تروي جانبًا من ثقافة الجنوب الكردي، وما يزال السكان يرون فيها جزءًا أصيلًا من الهوية الغذائية والموروث العائلي.

قالت وهي تقلب الكرة بين أصابعها الخبيرة: «نعد الترخينة في الصيف من اللبن والقمح والأعشاب الجبلية. نتركها مع الشمس أياما طويلة حتى تجف، وتبقى معنا لشهور. انظري كم أصبحت جميلة».

أسقطت الكرة في ماء القدر الذي بدأ يغلي ببطء وأضافت «حين تشرب الماء وتغلي، تطلق كل روحها في القدر».

في القدر كان العدس والحمص المسلوقان ينتظرانها بصبر، ليزداد قوام الحساء غنى وثقلا. رائحة النعناع الجبلي، مع ظل البصل المقلي على النار، راحت تتسلل إلى كل زاوية في البيت. أصبحت جدران الغرفة وكأنها مغطاة برطوبة الحساء، فيما بقي الخارج مشغولا برياح الخريف وصفيرها.


جلست داخاتون قرب النار، عدّلت من وضع “السيبايه” تحت القدر، ثم قالت بلهجتها الكوردية الدافئة «يا ابنتي، أهل كرمانشاه يطبخون هذا الحساء في الخريف، عندما تجف الحنجرة ويكون البرد لاذعا. هذا الحساء يدفئ الجسد والروح معا».

في الأسواق الكرمانشاهية، يمكن لعائلة مكوّنة من أربعة أشخاص أن تجهز قدرا من الترخينة بشرائها جاهزة مع العدس والحمص والبصل والنعناع والزيت، بكلفة تتراوح بين مئة وخمسين ومئتي ألف تومان. لكن داخاتون هزّت رأسها مبتسمة، وكأنها تسمع الأرقام ولا تعترف بها «يا ابنتي، السعر ليس مهما. هذا الحساء يدفئ روح الإنسان ويشبع قلبه، وهذا يكفي».

حين نضج الحساء، سكبت داخاتون البصل المقلي الذهبي على وجه القدر، ورشّت قليلا من النعناع المجفف فوقه. امتزجت رائحة اللبن الحامض مع قرمشة حبات القمح المحمص. تناولت أول ملعقة، فشعرت وكأن قطعة من الجبل قد ذابت في فمي، وكأن كل صيف مضى وكل خريف مرّ من هنا عاد في تلك اللقمة.

في الخارج، ظل الخريف يعصف بتلال كرمانشاه، يبعثر أوراق البلوط على المنحدرات. أما في الداخل، فكان بخار الترخينة يتماوج في الهواء، يرسم ضبابا صغيرا على زجاج النوافذ، ويحوّل بيت داخاتون إلى ملجأ من كل برد.

رفعت داخاتون ملعقتها، نظرت إليّ بعينين يختلط فيهما الحنان بحكمة السنين، وقالت «يا ابنتي، الترخينة لا تشبع البطن فقط، بل تدفئ القلب أيضا… لا تنسي هذا أبدا».

في تلك اللحظة، بدا أن خريف كرمانشاه كله قد استقر في قدر نحاسي واحد، وفي ابتسامة امرأة اسمها “داخاتون”، تحرس بطبق واحد ذاكرة بيت، ومدينة، وجبال كاملة.

نقلا عن وكالة فارس الإيرانية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل ...