قراءتي المتواضعة لرواية (#حلال #أسود) للروائي والشاعر الاستاذ علاء المرقب . .

Alipress11 سبتمبر 20261آخر تحديث :
قراءتي المتواضعة لرواية (#حلال #أسود) للروائي والشاعر الاستاذ علاء المرقب . .

كاظم الزهيري…

‏أخذتني رواية (حلال أسود) الى عالم الطفولة وذاكرة المكان حيث تبدو بعض التفاصيل الصغيرة في حياة المرقب اكبر من ان ينساها لأنها تركت آثارها العميقة في داخله حتى وان مرت عليها سنوات طويلة ..

‏الرواية تستعيد مواقف عاشها بطل الرواية  وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره لكنها بقيت عالقة في ذاكرته تعرض لمواقف لم يستطع مواجهتها آنذاك  ولا نسيانها أو التخلص من اثارها النفسية لذلك عكس لنا ان الطفولة تحتفظ بما يؤلمها أكثر مما تحتفظ بما يفرحها فالضرر الذي يصيب الانسان في بدايات حياته قد يظل يسكن داخله مهما تقدم به العمر ..

‏ومن التفاصيل التي لفتت انتباهي في الرواية صورة الأب الذي كان يستقبل ضيوفه ويحتفي بهم ويقدم لهم كل مابوسعه وكان الابن هو من يقدم لهم الشاي والماء ومستلزمات الضيافة في مشهد يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية انذاك وقيمة الضيف ومكانته في البيت العراقي وفي المقابل يلاحظ الابن أنه لم يشاهد  والده يوما يقرأ كتابا أو صحيفة وهي ملاحظة تبدو بسيطة لكنها تكشف جانبا مهما من شخصية الأب وثقافته وطريقة تعامله مع الحياة ومع الاخرين كما تتوقف الرواية عند العلاقة مع الأم  وما كان يحدث من تعارض في بعض الأمور الدينية لتكشف عن اختلاف الرؤى داخل الأسرة الواحدة وعن الأسئلة التي كانت تكبر في ذهن الطفل وهو يحاول فهم عالم الكبار ومعتقداتهم ومواقفهم لكنه ينقل ان هذا الاختلاف لم يؤثر على علاقة ابيه بامه فهو يراهم يضحكون ليلا ويتسامرون في غرفتهم وكأن شيئا لم يكن .. استطاع الراوي المرقب

‏ان لا يبتعد كثيرا عن الجيران وذاكرة منطقتهم الشعبية إذ استعاد شخصيات ومواقف ظلت حاضرة في ذاكرته ومن بينها الجارة ايمان التي لم تكن تنجب فتزوج عليها زوجها امرأة أخرى ثم تتعقد حكاية الزوج حين يحكم عليه بالسجن لمدة سنتين بسبب استغلال وظيفته وتلقي الرشوة لتتحول الحكاية الشخصية الى صورة أوسع عن المجتمع ومشكلاته في تلك المرحلة ..

‏ومن أجمل ما تستحضره الرواية تلك العلاقات التي كانت تجمع الجيران علاقات تقوم على المحبة و المعرفة والصدق  والتواصل حيث كان الجار يعرف معظم تفاصيل جاره ويتجمعون في مناسبات كثيرة ويتقاسمون الأفراح والأحزان سوية قبل أن تتغير طبيعة الحياة وتتراجع كثير من تلك الروابط الاجتماعية الان ..

‏إن (حلال أسود) لا تقدم لنا أحداثا مجردة بقدر ما تقدم ذاكرة انسان يستعيد طفولته ويحاول أن يفهم ما عجز عن فهمه في حينه  ولذلك تبدو الرواية اقرب إلى رحلة في الذاكرة بين الأب والأم والجيران والحي وبين مواقف الطفولة التي ظلت تكبر مع صاحبها حتى أصبح استعادتها نوعا من مواجهة الماضي ومحاولة فهمه

‏وهنا تكمن قيمة الرواية فهي تجعل من الذاكرة الشخصية مرآة تعكس ذاكرة مجتمع كامل وتمنح التفاصيل اليومية البسيطة  في استعادة زمن كان أكثر قربا بين الناس لكنه لم يكن خاليا من التناقضات والمشاكل اليومية التي تحصل هنا وهناك ..

‏اذن استطيع القول ان في رحلة (حلال أسود)  لا يكتفي علاء المرقب باستعادة طفولة مضت بل ينتقل بالذاكرة إلى معرفة طبيعة الانسان والمجتمع  فالاحداث التي تبدو في ظاهرها عابرة تصبح مع مرور الزمن حزنا وألما داخل الروح وما لم يستطع الطفل مواجهته في حينه يعود الكاتب ليضعه أمام القارئ لا بوصفه مجرد ذكرى وانما بوصفه سؤالا عن أثر الماضي في تشكيل وعينا وحياتنا اليومية وهنا تكمن قوة الرواية في انها لا تعتمد على الأحداث الكبيرة وحدها بل تمنح التفاصيل اليومية عن الأب وضيوفه والأم وأسئلتها المتكررة لوالده بالاضافة الى الجيران وعلاقاتهم والحكايات والقصص والذكريات التي كانت تدور داخل الحي قيمة سردية تجعل من البيت والشارع والحي ذاكرة لمجتمع كامل

‏كما أن الرواية تضع القارئ امام مفارقة لافتة كيف يمكن لطفل لم يتجاوز العاشرة أن يحمل كل هذا القدر من الذاكرة ؟  لكنه اراد ان يقول لنا ان بعض التجارب لا تقاس بأعمارنا بل بعمق أثرها فينا فما يؤلمنا في الطفولة قد لا ينتهي بانتهاء الطفولة بل يظل مخزونا في داخلنا ينتظر لحظة الكتابة كي يخرج إلى الضوء ..

‏ومن هنا فان (حلال أسود)  تبدو رواية عن الذاكرة بقدر ما هي رواية عن الطفولة وعن مجتمع كانت فيه علاقة الجيران علاقة انسانية حقيقية وعن زمن يحمل جماله وتناقضاته وأخطائه في وقت واحد…  اقولها وبكل قناعة ان الروائي علاء المرقب قد نجح  في تحويل الخاص الى عام  والذكرى الشخصية الى صورة اجتماعية فيها احداث وذكريات مهمة ليترك القارئ أمام سؤال لا تنتهي الرواية عنده هل نحن الذين نحتفظ بذكرياتنا ام ان بعض الذكريات هي التي تحتفظ بنا ؟…

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل ...