في أزقة مدننا واحيائها ، تمارس يوميا انتهاكات صامتة بحق كائنات لاتملك صوتا لتصرخ به ، ولا سلطة تحتكم إليها ، وعلى الرغم من أن تشريعات الرفق بالحيوان، والقوانين الدينية والإنسانية تؤكد حمايتها ، إلا أن الفجوة بين النص القانوني وتطبيقه على أرض الواقع مازالت متسعة ،ليظل المشهد الإنساني محكوما باجتهادات فردية وضغوطات أخلاقية يواجهها المختصون يوميا..
وفي قلب هذه المواجهة ،لايبدو الطبيب البيطري مجرد شخص يمارس المهنة أو يقدم علاجا جراحيا ، بل يتحول الى خط الدفاع الأول والملاذ الاخير لهذه الكائنات الضعيفة ، وشاهد عيان على حجم الإهمال والانتهاك من جهة ، وأمل التعافي من جهة أخرى ..
ومن هذا المنظر الميداني ، نلتقي بالدكتور “قاسم نهر ”
احد أبرز القامات البيطرية في محافظة البصرة، صاحب العيادة المعروفة (عيادة الفيحاء البيطرية التخصصية ) خلف مستشفى المواساة..التي أضحت مقصدا وملاذا يقصده المراجعون من مختلف مناطق المحافظة ونواحيها ..
لم تكتسب عيادته هذه الشهرة الواسعة بفضل الكفاءة الطبية ، والتشخيص الدقيق فحسب ، بل لما عرف عنه من تعامل انساني راق ورحمة بالغة تشمل الحيوان صاحب الجرح، والمراجع الذي يجد عنده سعة الصدر والحرص الصادق ..
في هذا اللقاء، نفتح مع الدكتور “نهر” ملف القوانين والتشريعات البيطرية ، ونستقريء من واقع تجاربه اليومية اسباب غياب آليات الحماية ، وكيف يمكن للرحمة والمسؤولية الميدانية أن ترمم ماافسده غياب الرادع القانوني…
-اهلا بك دكتور ..
في هذا الحوار ، نود أن نبدأ من داخل عيادتك ومن واقع احتكاكك اليومي المباشر وبحكم عملك ، كيف تصف حجم الانتهاكات أو التجاوزات التي تتعرض لها الحيوانات وتصل إلى عيادتك أو مركز الرعاية ؟
*استطيع القول إن معاناة الحيوانات في العراق كبيرة ومؤلمة .
بشكل شبه يومي نستقبل حالات تعاني من الإهمال الشديد ، والتجويع ،والكسور الناتجة عن الاعتداء ، وحوادث الدهس ، والتسمم ، والأمراض التي تترك دون علاج حتى تصل إلى مرحلة متقدمة ..المؤلم أن كثيرا من هذه الحالات كان يمكن إنقاذها لو حصلت على الرعاية في الوقت المناسب ..
-نوعية الحالات:
ماهي اكثر اشكال سوء المعاملة أو الإهمال شيوعا والتي تجزم أنها ناتجة عن غياب التوعية ،أو غياب الرادع القانوني ؟
*اكثر الحالات التي نشاهدها هي الحيوانات التي تترك بلا غذاء أو ماء، والحيوانات المصابة التي لاتنقل للطبيب إلا بعد ايام او اسابيع، إضافة إلى حالات الدهس، والاعتداء بالضرب أو اطلاق النار، والتسمم، والتخلي عن الحيوانات الأليفة في الشوارع..
اغلب هذه الحالات هي سببها ضعف الوعي ، واحيانا غياب المحاسبة القانونية ..
-الجانب النفسي والطبي:
كيف يؤثر التعامل القاسي أو الإهمال الشديد على الوضع الصحي،والتشخيص الطبي للحيوان؟
*الكثير يعتقد أن الحيوان لايشعر نفسيا لكن هذا غير صحيح.
الحيوانات التي تتعرض للضرب أو التعذيب أو الإهمال،تعاني من الخوف والقلق وفقدان الثقة بالإنسان، وهذا ينعكس على حالتها الصحية ويصعب علاجها .
كما أن الإهمال المزمن يؤدي إلى سوء التغذية، وضعف المناعة ،والتهابات، وأمراض غير قابلة للعلاج بسبب التأخر في التدخل الطبي..
-تشخيص الأزمة:
من وجهة نظرك كطبيب.هل الازمة تكمن في نصوص القوانين والتشريعات نفسها أم في آليات التطبيق والرقابة كحقوق للحيوان؟
*برأيي ..المشكلة ليست من جانب واحد ، وانما في ثلاثة محاور :
ضعف الوعي المجتمعي ، وعدم وجود تطبيق حازم للقوانين، وقلة البرامج الحكومية الخاصة برعاية الحيوان..
حماية الحيوانات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع
-التوثيق الطبي القانوني
عندما تصلك حالة سوء معاملة واضحة أو تعذيب لحيوان..
هل تملك كطبيب بيطري سلطة رفع تقرير طبي يعتمد عليه قانونياً لمحاسبة الجاني؟
وهل حدث وشهدت حالة أخذ فيها بتقرير بيطري؟
*نحن كأطباء بيطريين نستطيع توثيق الإصابات بشكل علمي وكتابة تقارير طبية دقيقة توضح طبيعة الضرر وسببه المحتمل..
لكن…تفعيل هذه التقارير قانونياً يعتمد على الجهات المختصة والقضاء.
نأمل أن يكون للطبيب البيطري دور أكبر في القضايا المتعلقة بأساءة معاملة الحيوانات..
-الحيوانات السائبة :
كيف ترى آلية التعامل الحكومي أو المجتمعي الحالي مع ظاهرة الحيوانات السائبة ؟
هل تطبق الحلول العلمية والإنسانية مثل التطعيم.ام لاتزال تعتمد على الحلول العنيفة؟
*الحيوانات السائبة في العراق تحتاج إلى إدارة علمية،وليس إلى حلول مؤقتة أو عنيفة.
الحلول المعتمدة عالمياً هي التعقيم،والتطعيم،والعلاج،وتنظيم برامج التبني..لأنها تقلل أعداد الحيوانات وتحمي الصحة العامة في الوقت نفسه.. كذلك انشاء محميات كبيرة..
-وعي المجتمع:
هل تلمس وعي لدى المواطنين الذين يجلبون حيوانات مشردة أو مصابة للعيادة ؟
ام أن النظرة العامة للحيوان مازالت تفتقر لثقافة الرفق والمسؤولية؟
*هناك أشخاص يبذلون جهودا كبيرة لأنقاذ الحيوانات وهذا أمر يدعو للتفاؤل،لكن مايزال جزء من المجتمع ينظر إلى الحيوان على أنه لايستحق الرعاية أو الرحمة..
نحن بحاجة إلى نشر ثقافة الرفق بالحيوان بدءاً من الأسرة والمدرسة والإعلام..
-المسؤؤليات المشتركة:
برايك ماالذي تحتاجه الكوادر البيطرية اليوم من الجهات التشريعية والتنفيذية لتمكينها من حماية الحيوانات بشكل أفضل؟
*نحتاج الى تشريعات أكثر قوة..وتفعيل القوانين الموجودة،ودعم المستشفيات و العيادات البيطرية، وإنشاء مراكز إيواء مجهزة، وإطلاق حملات توعية وطنية، مع إشراك الأطباء البيطريين في وضع السياسات الخاصة برفاهية الحيوان..
اختتمت حواري مع الدكتور “نهر” بتقديم توصية عاجلة فقلت له:
لو كان بيدك تقديم توصية عاجلة أو قرار قانوني واحد ينفذ فوراً لحماية حقوق الحيوان في الوقت الحالي
ماذا سيكون؟
*لو كان بيدي إتخاذ قرار واحد،لكان اصدار قانون يجرم بشكل واضح جميع أشكال الاساءة للحيوانات، مع فرض عقوبات رادعة، وانشاء جهة مختصة لاستقبال البلاغات ومتابعتها، فالرحمة بالحيوان ليست رفاهية، بل مقياس لتحضر المجتمع، وحماية الحيوانات هي جزء من حماية الصحة العامة والبيئة والإنسان نفسه..

يضعنا هذا الحوار أمام حقيقة لا يمكن تغافلها:
القوانين التشريعية لحماية الحيوان موجودة، لكنها ما زالت تبحث عن آليات تطبيق فعالة..
يبدأ الحل بالاعتراف بالمشكلة وينتهي بتحويل التوصيات إلى واقع ملموس يحفظ لهذه الكائنات حقها في الحياة..
كل الشكر والتقدير للدكتور (قاسم نهر) على ماطرحه من رؤى واقعية..واضاءات مهنية تشخص أصل الداء.. وتضع أولى خطوات الدواء


















