ثائر الموسوي
يخرج علينا بين حين وآخر مسؤول عراقي للحديث عن حجم الجهد الذي يبذله في أداء مهامه فيخبرنا أنه يعمل ليلاً ونهاراً أو أنه يقضي ساعات طويلة في مكتبه وربما يصل الأمر إلى القول إن بعض الأيام تمر عليه ولا ينام فيها سوى ساعة أو ساعتين.
لا شك أن العمل العام مسؤولية ثقيلة وأن إدارة مؤسسات الدولة في بلد مثل العراق ليست مهمة سهلة لكن ثمة سؤالاً مشروعا ً ينبغي طرحه بعيدا ً عن المبالغة في المديح أو الانتقاص من جهد أي مسؤول:
متى أصبح أداء المسؤول لواجباته الوظيفية منّة على المواطن ؟
المسؤول الحكومي لم يدخل مكتبه متطوعاً ولم يقدّم نفسه للعمل العام من دون مقابل هو يشغل منصباً في الدولة ويتقاضى راتباً ومخصصات ويحصل أصحاب المناصب العليا على امتيازات وحمايات ومزايا مرتبطة بالمنصب والمسؤولية.
وبالتالي فإن العمل لساعات طويلة حين تقتضي طبيعة الوظيفة ذلك لا ينبغي أن يقدم باعتباره فضلاً شخصياً على الشعب وإنما باعتباره جزءاً من الواجب الذي ترتب على قبول المنصب.
المشكلة ليست في أن يعمل المسؤول عشرين ساعة في اليوم على العكس قد يكون هذا أماً يستحق التقدير إذا كانت نتائجه واضحة وملموسة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عدد ساعات العمل إلى بديل عن الحديث عن النتائج فالمواطن لا يحتاج إلى معرفة عدد الساعات التي قضاها المسؤول داخل مكتبه بقدر حاجته إلى معرفة ما الذي تحقق خلال تلك الساعات.
كم مشروعاً أُنجز ؟ كم مشكلة حُلت ؟ كم ملفاً أُغلق؟ كم هدر في المال العام تم إيقافه ؟ كم مؤسسة تحسنت؟ وكم مواطناً شعر بأن حياته أصبحت أفضل نتيجة لذلك العمل ؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صدارة تقييم المسؤول لا عدد ساعات نومه !
فالإنجاز الإداري لا يُقاس بطول ساعات الدوام وإنما بحجم الأثر الذي تتركه تلك الساعات على حياة الناس قد يعمل مسؤول لساعات طويلة من دون أن يحقق تغييراً حقيقياً وقد ينجز مسؤول آخر خلال ساعات أقل ما يعجز عنه غيره خلال أسابيع ولذلك فإن ربط النجاح بعدد ساعات العمل وحدها يختزل مفهوم الإدارة إلى مجرد حضور وانصراف بينما الوظيفة العامة في جوهرها مسؤولية ونتائج ومساءلة.
والأكثر غرابة أن هذا الخطاب يأتي في بلد يعمل فيه المواطن العراقي نفسه لساعات طويلة ويواجه أعباء اقتصادية ومعيشية كبيرة ويدفع من دخله للحصول على خدمات يفترض أصلاً أن توفرها الدولة.
المواطن يعمل ويتحمل وينتظر ويواجه طوابير المعاملات وأزمات الكهرباء وارتفاع الأسعار وصعوبة السكن وتراجع كثير من الخدمات ومع ذلك لا يخرج إلى الناس ليقول لهم: «أنا أعمل ليلاً ونهاراً من أجلكم».
لأنه ببساطة لا يرى في ذلك منّة إنه يعمل لكي يعيش والمسؤول يعمل لأنه اختار وظيفة عامة تفرض عليه مسؤوليات محددة وهنا تكمن المفارقة.
المواطن الذي يتحمل نتائج أداء الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى جمهور يُطلب منه التصفيق لمسؤول لأنه لم ينم ، نحن بحاجة إلى تغيير معيار تقييم المسؤول في العراق من «كم عملت؟» إلى «ماذا أنجزت؟».
فالاجتماعات الكثيرة ليست إنجازا ً بحد ذاتها والبقاء في المكتب حتى ساعات متأخرة ليس إنجازاً والظهور بمظهر المسؤول المنشغل على مدار الساعة ليس إنجازا ًكل ذلك يصبح ذا قيمة فقط عندما يتحول إلى قرارات صحيحة ومشاريع ناجحة وخدمات أفضل وحماية للمال العام ومؤسسات أكثر كفاءة.
وهنا نستطيع ان نقول من يقبل التكليف عليه أن يدرك أن الشعب لا يدفع راتبه لكي يسمع منه في نهاية كل يوم كم كان متعبا ً بل لكي يرى أثر هذا التعب في حياته.
لذلك ربما آن الأوان لأن يتغير الخطاب الرسمي بدل أن يقول المسؤول: «أنا لا أنام إلا ساعة أو ساعتين»، يمكن أن يقول: «هذه نتائج عملي خلال الفترة الماضية».
وبدل أن يقدم عدد ساعات الدوام باعتباره شهادة إنجاز عليه أن يقدم أرقاما ً ومشاريع ونتائج يمكن للناس أن يحكموا عليها فالمواطن العراقي لا يريد مسؤولاً ينام قليلاً فقط يريد دولة تنجز كثيراً ولا يريد أن يسمع كم ساعة بقي المسؤول مستيقظاً يريد أن يعرف ماذا تغيّر في العراق بسبب ذلك السهر.
وهنا فقط يصبح العمل العام مسؤولية حقيقية لا قصة بطولة تُروى للشعب كلما ارتفعت أصوات الشكوى.


















