كركوك بين حق النقد والفوضى السياسية

Alipress14 سبتمبر 20260آخر تحديث :
كركوك بين حق النقد والفوضى السياسية

✍️: شوان الداودي

تشهد مدينة كركوك منذ فترة تصاعداً خطيراً في منسوب التوتر السياسي، وقد زاد هذا التوتر حدةً بعد أن واجه السيد محافظ كركوك موجةً من الانتقادات السياسية والإدارية، أعادت المدينة إلى دائرة الانقسامات القديمة.

وكعادتها، انقسمت كركوك إلى جبهتين: الأولى رأت في الانتقادات ضرورةً للتصحيح والمحاسبة، والثانية اعتبرت أن الوقت لا يزال مبكراً لإطلاق الأحكام النهائية. لكن الأخطر أن هذا الانقسام لم يبقَ محصوراً في الشارع، فقد انتقل سريعاً إلى الوسط الإعلامي الذي انشطر بدوره إلى معسكرين: معسكر وظف كل حادثة لتضخيم أوجه القصور، ومعسكر آخر دخل في دفاع غير مشروط عن المحافظ وصل أحياناً إلى حد تجريم المنتقدين.

ولم تتوقف الموجة عند هذا الحد، فقد وصلت إلى قلب البيت السياسي وتجسدت في مواجهة بين رئيس مجلس المحافظة من المكون العربي والمحافظ من المكون التركماني، وهو صراع وجد صداه الواسع على منصات التواصل الاجتماعي للمكونين.

لا أحد يستطيع إنكار أن الظروف العامة في العراق، والوضع الخاص في كركوك، لا يسمحان بتسيير الملف الإداري والسياسي بسهولة، كما أن أي محافظ لا يمتلك “العصا السحرية” لحل تراكمات سنوات في أشهر قليلة.

فبدلاً من تقديم إجابات مسؤولة عن الانتقادات والبحث عن حلول، تعمل بعض الأطراف على تضخيم الحوادث اليومية وتحويلها إلى أزمات مفتعلة بهدف حرف الأنظار عن جوهر المشكلة ، وذلك في مدينة هشة، تكفي فيها أصغر شرارة لإشعال نار يصعب إطفاؤها.

من الواضح أن بعض الشخصيات السياسية “تسبح في الماء العكر” لتحقيق مكاسب شخصية أو دفع أجندات حزبية ومكوناتية، ولكن الثمن النهائي لهذه المقامرة سيدفعه استقرار كركوك وأمنها.

خلال الأسابيع الماضية، كان المكونان العربي والتركماني هما اللاعبَيْن الرئيسيَيْن، أما المكون الكردي فظهر كأضعف حلقة في المعادلة.

فبعد حادثة “ألتون كوبري”، سارعت بعض النخب التركمانية إلى توجيه الاتهام للكرد دون أي دليل. وفي المقابل، استثمر المكون العربي الأزمة ليصدر من بغداد قراراً وزارياً بسحب إدارة أحد أقسام تربية كركوك من الكرد ودون أي مبرر، وقد خلّف الأمران استياءً وقلقاً عميقين في الشارع الكردي.

حتى البيانات الأخيرة تؤكد عمق الأزمة ، ففي الوقت الذي دعت فيه الكتلة العربية في مجلس المحافظة إلى “تغليب العقل” وتلقي المواقف من الجهات الرسمية وليس من مواقع التواصل، أصدرت أكبر كتلة كردية في المجلس، “كركوك قوة وإرادتنا” التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، بياناً لإعلان دعمها للمحافظ.

تحمل هذه التطورات رسالة واضحة للكرد: إن الصراع القادم في كركوك سيكون محصوراً بين المكونين العربي والتركماني، ولسوء الحظ سيكون الكرد هم الطرف الذي يدفع فاتورته.

إن كركوك، بحكم وضعها الدستوري كمنطقة متنازع عليها وتأخر حسم المادة 140، تبقى أرضية خصبة لتسييس أي قرار إداري. وعلى خلاف رأي المحكمة الاتحادية، يرى المحافظُ المادةَ منتهيةً، مما يزيد من حدة الاحتقان.

في المناطق متعددة المكونات، وعندما تضعف سلطة الدولة، تلجأ الأطراف إلى سياسة الاستقطاب لتعبئة قواعدها.

لذلك، فإن كركوك اليوم بحاجة إلى سياسة “احتواء التعقيد” وليس إلى صناعة الأزمات، وهي بحاجة إلى حوار وطني جامع، لا إلى لغة الاتهامات.

الطريق الوحيد للخروج يتمثل في جلوس الأطراف الثلاثة (الكرد والعرب والتركمان) على طاولة واحدة تحت رعاية ووساطة الحكومة الاتحادية لا الأطراف الحزبية، مع فصل الملف الإداري عن التجاذبات السياسية.

خلاصة القول .. عندما يتحول حق النقد المشروع إلى فوضى سياسية، فإن أول ضحية سيكون استقرار مدينة كركوك.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

عاجل ...