معذرةً د. صلاح القصب

هيئة التحرير6 أغسطس 20260آخر تحديث :
معذرةً د. صلاح القصب


منذ اليوم الأول الذي وقفت فيه محاضرًا لنا في أكاديمية الفنون الجميلة، مطلع السبعينيات، بعد عودتك من الدراسة في الخارج وأنت ما زلت معيدًا، بدأتُ أشاكسك بمحبة. ومع توالي السنوات، ونضوج وعينا المبكر على يديك وأيدي أساتذتنا، نصبتُ لك ما أسميه اليوم عداوةً علمية؛ كنتُ معترضًا على مشروعك المسرحي، وغير مقتنع بما أطلقتَ عليه مسرح الصورة. وتعاضدتُ مع بعض أساتذتي لإعلان هذا الاختلاف، حتى تجرأت وكتبت أربع مقالات أفند فيها أطروحاتك، وأناقش رؤيتك للمسرح.
لكن المدهش أنك، في كل مرة، كنت تتعامل معي بنبل المربين وفرسان الفكر، لا بروح الخصومة.
ولا أنسى موقفك في مهرجان المسرح العربي الأول، حين قُدِّم عرضك، واشتد النقاش حوله، وتحدث بعض الزملاء بما لا يليق. وعندما جاء دوري قلت: “نحن بحاجة إلى مؤلفين متخصصين يكتبون للمسرح الذي يريده د. صلاح، بدلاً من أن نهدم ما بناه شكسبير.”
وحين طلب منك رئيس الجلسة الرد على المداخلات، توقعت سجالًا طويلًا، لكنك نهضت، واقتربت مني، وقبلتني، ثم قلت: “ليس لدي ما أرد به… شكراً للجميع، وشكراً للأستاذ عزيز.”
في تلك اللحظة تعلمت منك درسًا بليغًا في أخلاق الاختلاف. ومنذ ذلك اليوم، آثرت الحياد في كثير من النقاشات، لأنني أدركت أن احترام الرأي المخالف أبلغ من الانتصار عليه.
ولا يزال كثيرون يناصرون أفكارك وتجربتك في مسرح الصورة، حتى صار يقام لها مهرجان يحمل اسمك. أما أنا، فما زلت أقف على مسافة من تلك التجربة؛ لا أرفضها، ولا أتبناها كاملة. وربما كنت، كلما التقيتني، تقرأ في عيني بقايا ذلك الاختلاف القديم.
واليوم، ونحن نقترب من نهاية العمر، أقولها بصدق المحبة: لقد منحتني، ومنحت أجيالًا كاملة، درسًا في التربية قبل أن تمنحنا درسًا في المسرح. علمتنا كيف يحترم الإنسان من يختلف معه، وكيف يسمو الحوار على الخصومة.
ومع ذلك، يبقى لي رأيي الذي لم يتغير؛ فما زلت أؤمن أن المسرح الحقيقي لا يكتفي بصناعة الصور، بل يهدمها ليصنع أسئلة جديدة، وأن الفنان الكبير هو الذي يوقظ الشك، ويفتح أبواب التأمل، ويجعل السؤال يلد سؤالًا آخر.
سمعت أنك تمر بوعكة صحية، وكان الواجب أن أزورك، لكن المسافات حالت بيننا.
شفاك الله وعافاك، وأطال عمرك.
ستبقى، مهما اختلفنا، واحدًا من أنقى من عرفت، وإنسانًا يحمل في داخله روح طفل… وتلك، في ظني، أجمل صفات الكبار.
د.عزيزجبر الساعدي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل ...