في بلدٍ يطفو على بحيرات من النفط، وتتحرك تحت أرضه ثروات كفيلة بإنعاش قارة بأكملها، يباغتنا السؤال الأكثر مرارة وإلحاحاً، السؤال الذي يتهرب الجميع من الإجابة عنه بصراحة، لكننا اليوم نطرحه بالخط العريض ليدق جدران الخزائن المغلقة: شكد مطلوبين إحنا؟
الإجابة الصادمة والموثقة بالأرقام: إحنا مطلوبين 83 مليار دولار!
نعم، هذا هو حجم الدين الذي يثقل كاهل الأجيال العراقية، وهذه هي الفاتورة التي يدفعها المواطن البسيط من كرامته، وصحته، وخدماته، ومستقبل أطفاله. ولكن، قبل أن نسأل كيف تسللت هذه الديون إلى رقابنا، دعونا نضع المعادلة الحقيقية في ميزان المنطق والعدالة.
معادلة النهب: المليارات المفقودة مقابل الديون المزعومة
المفارقة المضحكة المبكية تكمن في الحسبة التالية: إذا كان العراق مكبلاً بدين قيمته 83 مليار دولار، فإن لدينا في المقابل جبهة داخلية لا تتعدى الألف أو الألفين فاسد، تمكنوا على مدار السنوات الماضية من سرقة ونهب مقدرات هذا البلد. هؤلاء لم يسرقوا ملايين، بل سرقوا مليارات عراقية ودولارية حُوّلت إلى عقارات، واستثمارات، وحسابات سرية في عواصم العالم.
وهنا يبرز السؤال المركزي الذي يفتح آفاق الخلاص: إذا تحركت الإرادة الوطنية الحقيقية، واستعدنا الـ 83 مليار دولار المنهوبة، بل واستعدنا فوقها 100 مليار دولار أخرى من أموال الشعب المسلوبة.. شلون راح يصير العراق؟
الجواب لا يحتاج إلى عباقرة في الاقتصاد؛ العراق حينها سيتخلص من التبعية، وسيوفي ديونه بالكامل، وسيرى مواطنوه النهضة العمرانية والتنموية الحقيقية التي تليق بتاريخهم. ستتحول ميزانيات الانفجارية من أرقام على الورق إلى مصانع، ومستشفيات، ومدارس، وبنى تحتية تنهي زمن “الدوام المزدوج” والمستشفيات المتهالكة.
نموذج “الريتز” العراقي: صولة حاسمة لاسترداد هيبة الدولة
إن الحديث عن صعوبة استرداد هذه الأموال هو وهم تروج له الماكينات المستفيدة من الفساد. الموضوع—إذا توفرت الإرادة السياسية العليا—في غاية السهولة والمكاشفة. نحن لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، بل نحتاج إلى تطبيق تجارب حاسمة نجحت في دول الجوار، والتجربة الشاخصة أمامنا هي ما فعله الأمير محمد بن سلمان في السعودية مع الأمراء والمسؤولين عندما حصرهم في “الريتز كارلتون” وواجههم بملفاتهم.
العراق اليوم يمتلك قضائاً شجاعاً، ولديه قضاة يمتلكون الجرأة والنزاهة لمواجهة أي حيتان مهما كبرت أسماؤهم. ما نحتاجه هو “صولة كبرى” تجمع هؤلاء الفاسدين—من وزراء سابقين، ومسؤولين، ومدراء عامين، ومحافظين، ونواب—وتضعهم وجهاً لوجه أمام الأدلة والقرائن: “تعال.. أنت بكت في المشروع الفلاني، واختلست في الصفقة الفلانية، وهربت المبلغ الفلاني”.
استعادة الهيبة تبدأ من استعادة الأموال
عندما يرى الفاسد، مهما كان غطاؤه السياسي أو الحزبي، أنه يُساق إلى العدالة مجرداً من نفوذه ليُجبر على إعادة ما سرقه، فإن الرسالة لن تكون مالية فحسب، بل ستكون رسالة سيادية بامتياز.
بهذه الخطوة الجريئة:
سترجع للدولة هيبتها التي تآكلت بسبب المحاصصة والمجاملات.
سترجع الفلوس إلى الخزينة المركزية لتدخل في دورتها الطبيعية لخدمة الشعب.
سيُغلق ملف الديون المقيت (الـ 83 مليار دولار) ليتنفس الاقتصاد العراقي الصعداء.
العراق ليس بلداً فقيراً ليظل مديناً، بل هو بلدٌ نُهب بدم بارد. وإن الخروج من نفق الديون المظلم لا يمر عبر الاقتراض المذل أو فرض الضرائب على المواطن البسيط، بل يمر عبر استرداد أموالنا المنهوبة من بطون الحيتان. فهل سنشهد قريباً “ريتز عراقي” يعيد للبلاد هيبتها وأموالها، ويضع حداً لزمن الحصانة الافتراضية للفاسدين؟ الأيام والمواقف هي التي ستجيب
أريد أسأل سؤال: شكد مطلوبين إحنا؟
| د. حسن جمعة

















