قراءة في مسرحيةالميزان،،  تأليف الفنان عزيز جبر، رحلة من السلطة إلى الحقيقة | بقلم :سعد عباس علي

هيئة التحرير6 يونيو 20260آخر تحديث :
قراءة في مسرحيةالميزان،،  تأليف الفنان عزيز جبر، رحلة من السلطة إلى الحقيقة | بقلم :سعد عباس علي


حين يفنى الاسم ويبقى الأثر
قراءة في نصّ رمزي صوفي عن السلطة وامتحان الفناء
في التجربة الصوفية، لا يُسأل الإنسان عمّا ملك، بل عمّا تخلّى عنه. والسلطة، في معناها الأعمق، هي أشدّ مقامات الابتلاء؛ لأنها تُغري صاحبها بوهم الخلود. هذا النص لا يستعيد سيرة حاكمين بقدر ما يستدعي سؤال “الأنا” حين تتضخم حتى تظنّ أنها الوطن نفسه. أحدهما بشّر بعدالة الأرض للفلاحين، والتحرر من التبعية، وبناء دولةٍ مدنية للفقراء. والآخر رفع لواء القوة والهيبة وبناء الدولة المركزية والجيش والبنى التحتية والجامعات. كلاهما حمل مشروعاً… لكن البرزخ لا يعترف بالمشاريع وحدها، بل بما بقي منها في ميزان الرحمة.
هنا يتحول المسرح إلى مقام كشف، ويتحوّل الميزان إلى رمزٍ للحقّ الذي لا يميل، ويتحوّل السؤال الأخير إلى مرآةٍ للذات: الفنان الكاتب عزيز جبر يوسف يسلط الضوء حين يسأل،،
من أنا حين يسقط عني اسمي؟ فهو يحيلنا الى معرفة حكام نعرفهم جيدا ولكنه يصبغ عليهم صورة مكثفة من الافعال والسلوك بتجرد
الميزان..
نص مسرحي رمزي صوفي – فصل واحد،،
تأليف،د.عزيز جبرالساعدي

المكان: فضاء أبيض كأنه نفَسٌ ممتد. لا أرض ولا سماء، بل نورٌ معلّق. في العمق ميزان عظيم يتدلّى من لا شيء.
الزمان: لحظة بين الفناء والبقاء.
همهمة كذكرٍ بعيد.
تظهر جوقة الأموات، كأنهم أرواح شفافة.
الأول من الجوقة
هل عرفتَ من هذا القادم الجديد؟
الثاني
عرفته قبل أن يصل…
فالروح لا تخطئ صدى الخطوات.
ثالث
ومن ذاك القادم من الجهة الأخرى؟
الثاني
ذاك الذي نطق باسم الفقراء،
ثم صار اسمه وحده صدى الساحات.
الأول
إذن هما أمام الميزان.
الجميع (كأنهم في ذكرٍ جماعي)
وسنرى ما كانوا يوعدون…
وسنرى ما كانوا يخفون عن أنفسهم.
تخفت أصواتهم.
يدخل الرجلان.
لكن ملامحهما أقل وضوحاً مما كانت في الحياة.
الأول
أهذا هو البرزخ… أم مرآة؟
الثاني
بل هو ما تبقى منك حين يسقط منك كل شيء.
صمت.
الأول
قلتُ يوماً إن الأرض للفلاحين،
أصدرتُ قانون الإصلاح الزراعي،
كسرتُ احتكار الإقطاع،
بنيتُ مدينةً للفقراء،
انسحبتُ من أحلافٍ كبّلت القرار،
وقلتُ إن النفط لأبنائه.
كنتُ أبحث عن عدالةٍ تشبه دعاء الأمهات.
الثاني
وأنا قلتُ إن الوطن بلا قوةٍ يتبدد.
عززتُ الجيش حتى صار رقماً صعباً،
شُيّدت طرقٌ وجسور،
ارتفعت جامعاتٌ ومصانع،
تدفّق النفط وامتلأت الخزائن،
وقلتُ إن الهيبة سياج الكرامة.
كنتُ أبحث عن مجدٍ لا ينكسر.
الأول
لكن المجد ظلّ اسماً…
الثاني
والعدالة ظلّت حلماً…
صوت غير مرئي (كأنه من داخل كلٍّ منهما)
يا من ظننتم أن الوطن يتسع لأسمائكم،
الوطن يتسع فقط لرحمة قلوبكم.
السلطة ظلٌّ…
والظلّ لا يبقى إذا زالت الشمس.
الثاني
دخلتُ حروباً ظننتها ضرورة،
وأمسكتُ القبضة كي لا ينفرط العقد،
كنتُ أقول إنني أحفظ ماء الوجه.
الأول
وأنا ظننتُ أن النية تكفي،
وأن الحلم وحده يحمي الثورة.
الثاني
لكن الدم كان كثيراً…
الأول
والخوف كان أعمق من الشعارات.
الميزان يهتزّ.
تظهر كفّتان: في إحداهما كتاب، وفي الأخرى قلب.
الجوقة
الكتاب علمٌ…
والقلب نورٌ…
ولا علم بلا نور،
ولا نور بلا علم.
الأول
هل كنّا نطلب وجه الوطن…
أم وجهنا فيه؟
الثاني
الوجه الحقيقي لا يُرى في المرايا،
بل في قلوب الذين لم يخافوا منك.
الأول
كنتُ أرى الشعب واحداً…
الثاني
وأنا رأيته أطيافاً متصارعة.
الأول
العدل أن تجمعهم.
الثاني
والقوة أن تمنعهم من التفرق.
الصوت غير المرئي
العدل بلا رحمة قسوة،
والقوة بلا تواضع طغيان.
الطريق إلى الله ليس في الغلبة،
بل في الإنصاف.
الثاني (بصوت منكسر)
قبل موتي…
أدركتُ أنني كنتُ أقاتل ظلي.
كنتُ أظن أن الصلابة تكفيني،
لكنني لم أكن أرى هشاشتي.
الأول
وأنا أدركتُ أن الحلم إن لم يُحَط بالحكمة
ينكسر سريعاً.
يتقدمان نحو الميزان.
الأول
ما الذي يبقى منا الآن؟
الثاني
ليس القصور…
ولا الخطب…
ولا الرايات.
الجوقة
يبقى الأثر في القلوب.
ويبقى العدل إن وُجد.
ويبقى الظلم إن لم يُغفر.
صمت طويل كأنه تأمل.
الأول
لقد ربحتُ تأييداً… وخسرتُ وقتاً.
الثاني
وربحتُ رهبةً… وخسرتُ طمأنينة.
الأول
الوطن لم يكن ساحةً لنا…
الثاني
بل أمانةً عندنا.
ينظران إلى الميزان.
معاً (بصوتٍ صار همساً)
ماذا ينتفع المرء
لو ربح العالم كله
وخسر نفسه؟
يتلاشى الضوء تدريجياً…
يبقى الميزان…
ثم يتحول إلى نقطة نور…
ثم إلى لا شيء..

في هذا النص، يتحول البرزخ إلى مقام صوفي، حيث تتجرّد الأسماء من سلطتها، وتبقى الذوات عارية أمام ميزان الحق. لم يعد السؤال سياسياً بقدر ما أصبح وجودياً: هل كانت السلطة وسيلةً للعدل أم مرآةً للأنا؟ إن استدعاء مشاريع الإصلاح الزراعي، والتحرر من التبعية، وبناء الجيش والبنية التحتية والجامعات، ليس للتفضيل بينهما، بل لبيان أن الإنجاز المادي لا يُغني عن الامتحان الأخلاقي.
الميزان هنا ليس أداة حسابٍ تاريخي، بل رمزٌ لفناء “الأنا” وبقاء “الأثر”.
فالسلطة، في بعدها الصوفي، ليست ملكاً… بل امتحاناً.
ومن لم ينتصر على نفسه…
فلن تنقذه كل انتصاراته

عزيز جبر الساعدي/ بغداد

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل ...