القراءة النقديه بقلم د.رجاء الشماع ..

هيئة التحرير17 يونيو 20260آخر تحديث :
القراءة النقديه بقلم د.رجاء الشماع ..


يمكن قراءة مسرحية “زوايا ساخنة” بوصفها نصاً إنسانياً يشتغل على ثيمة الحب المؤجل والوحدة في خريف العمر، ويعيد الاعتبار إلى المشاعر بوصفها حاجة وجودية لا تنتهي بانتهاء مرحلة الشباب. وفيما يأتي مقال نقدي أكاديمي للدكتورة العزيزة رجاء الشماع
هذا المقال يتناول المسرحية من زاوية أكاديمية نقدية، مع التركيز على البنية الدرامية والرموز والسيميائيات والدلالات النفسية والاجتماعية التي اشتغل عليها النص.
زوايا ساخنة.. جدلية الذاكرة والحب المؤجل في خريف العمر .
قراءة نقدية في مسرحية “زوايا ساخنة” للدكتور عزيز جبر الساعدي
بقلم: د.رجاء الشماع
تُعدّ مسرحية “زوايا ساخنة” للدكتور عزيز جبر الساعدي نصاً إنسانياً يلامس مناطق قلّما توقفت عندها الكتابة المسرحية العربية، إذ ينقل المتلقي إلى فضاء نفسي واجتماعي يرتبط بمرحلة الشيخوخة وما يرافقها من عزلة وحنين وأسئلة مؤجلة. فالكاتب لا يتعامل مع العمر المتقدم بوصفه نهاية للحياة، بل يقدمه بوصفه فرصة أخيرة لاستعادة المعنى واكتشاف الذات عبر الحب والصداقة والدفء الإنساني.
منذ المشهد الأول ينجح النص في تأسيس مناخ درامي قائم على ثنائية الحضور والغياب. فبيت سامي ليس مجرد مكان للأحداث، بل يتحول إلى علامة سيميائية مكثفة للوحدة. وتأتي صورة الزوجة الراحلة وصوت فيروز وصرير الباب بوصفها مفردات دلالية تؤكد حالة الفراغ العاطفي التي يعيشها البطل. لقد استطاع الكاتب أن يمنح الأشياء الجامدة وظيفة درامية، فالباب لم يعد باباً فحسب، بل صار شخصية موازية تؤنس وحشة الرجل وترافق أيامه.
في المقابل، تظهر شخصية نور باعتبارها الوجه الآخر للمعاناة نفسها. فهي امرأة أنجزت أدوارها الاجتماعية التقليدية كلها، لكنها تكتشف في نهاية المطاف أن جزءاً من ذاتها ظل معلقاً عند حلم قديم لم يكتمل. وهنا يلامس النص إحدى القضايا المهمة في علم النفس الاجتماعي، وهي الفجوة بين النجاح في أداء الأدوار الاجتماعية وبين تحقيق الإشباع العاطفي الداخلي.
ومن أبرز عناصر الجمال في المسرحية توظيف تقنية الفلاش باك عبر مشهد “اللقاء الذي لم يحدث”. فهذا المشهد لا يقدم حدثاً واقعياً بقدر ما يكشف عن الذاكرة والرغبة والاحتمال الضائع. إنه لقاء افتراضي عاشه البطلان في مخيلتهما طوال عقود، ولذلك يبدو أكثر صدقاً من كثير من اللقاءات الواقعية. وقد نجح الكاتب في بناء هذا المشهد بلغة شاعرية رقيقة جعلت منه ذروة وجدانية تمهد للقاء الحقيقي لاحقاً.
على المستوى البنائي، اعتمد النص على تدرج درامي هادئ يبدأ بالوحدة، ثم يستحضر الذاكرة، لينتقل إلى المصادفة، وصولاً إلى الاعتراف والتجدد. وهذه البنية تمنح المسرحية إيقاعاً إنسانياً متوازناً يتناسب مع طبيعة الشخصيات وأعمارها، بعيداً عن الصخب أو المبالغات الحدثية.
أما شخصية الراوي فقد أدت وظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة تربط المشاهد بعضها ببعض، ومن جهة أخرى تضطلع بدور المفسر النفسي للأحداث. وقد منح وجود الراوي النص بعداً تأملياً يقترب من المسرح الحكائي، حيث لا يقتصر دوره على السرد بل يسهم في تشكيل الرؤية الفكرية العامة للعمل.
وتكشف المسرحية عن وعي الكاتب بأهمية الرمز المسرحي. فصرير الباب الذي يتكرر في معظم المشاهد يتحول إلى مؤشر على استمرار الوحدة والانغلاق النفسي، بينما يأتي اختفاء هذا الصوت في المشهد الختامي بوصفه إعلاناً رمزياً عن انفتاح الحياة من جديد. كما أن قرار سامي إصلاح الباب في النهاية يحمل دلالة عميقة تتجاوز المعنى المباشر؛ فهو في جوهره إعلان عن إصلاح ما تبقى من العمر وإعادة ترتيب العلاقة مع الذات والآخر.
لغوياً، اتسم الحوار بالبساطة والشفافية، مبتعداً عن التعقيد البلاغي، وهو اختيار يتناسب مع طبيعة الشخصيات والموضوع. كما أن الجمل القصيرة المكثفة أسهمت في تعزيز الأثر العاطفي للنص، ولا سيما في مشاهد الاعتراف التي جاءت محملة بقدر كبير من الصدق الإنساني.
وتبرز القيمة الفكرية للمسرحية في أنها تدافع عن حق الإنسان في الحب مهما تقدم به العمر، وتواجه الصور النمطية التي تحصر العاطفة في مرحلة الشباب. فالكاتب يطرح رؤية إنسانية مفادها أن الحاجة إلى المودة والأنس والاحتواء تظل قائمة ما دام القلب نابضاً بالحياة.
إن “زوايا ساخنة” ليست مسرحية عن رجل وامرأة التقيا بعد خمسين عاماً فحسب، بل هي نص عن الزمن نفسه، وعن الفرص التي تتأخر لكنها لا تموت، وعن الذاكرة التي تظل تحفظ ما تعجز السنوات عن محوه. وهي بهذا المعنى دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الشيخوخة، بوصفها امتداداً للحياة لا خاتمة لها.
لقد استطاع الدكتور عزيز جبر الساعدي أن يكتب نصاً دافئاً وعميقاً في آن واحد، نصاً يحتفي بالإنسان ويمنحه حق الحلم حتى اللحظة الأخيرة، مؤكداً أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالمشاعر التي تعرف دائماً طريقها إلى القلب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل ...