كأنه هو: صديقٌ بملامح روحية من أبي | قطرالندى السعد

هيئة التحرير7 أغسطس 20260آخر تحديث :
كأنه هو: صديقٌ بملامح روحية من أبي | قطرالندى السعد



ثمة أرواحٌ حين تمرّ في حياتنا، لا تبدو غريبة، بل تبدو كأنها عودةُ أمانٍ قديم ظننا أنه مضى ولن يعود. هذا الصديقُ تحديداً، لم يكن مجرد عابرٍ في أيامي، بل كان كأنه صدى صوت أبي، ودفءُ نظرته، حتى خُطواته وملامح وجهه تحمل من ذلك الرجل الكبير شيئاً ،يربك قلبي كلما رأيته؛ حنونٌ حدّ الكفاية، حريصٌ عليّ حرصَ الأب على أثمن ما يملك، يحوطني بظلٍّ من الأمان لا أملك إلا أن أستند عليه وأنا مطمئنة.
معه وحده، تسقط كل الحواجز والقيود. أحدثه بكامل أريحيّتي، وأسكب أمامه كلماتِي بلا ترتيب ولا تهذيب، لأنني أعلم يقيناً أنه لن يسيء فهمي، ولن يزِن عباراتي بموازين الشكّ أو سوء الظن كما يفعل الأخرون.

إنه يفهم نيتي قبل أن أتمّ جُمَلي، وينظر إلى روحِي لا إلى تأويلات البشر.
لقد عانيتُ كثيراً في هذا العالم؛ فملامحُ وجهي وهبَها الله جمَالاً يراه البعيدون زينة، وحُسنُ أسلوبي في التعامل مع الناس ظنّه البعضُ ضعفاً أو تودداً…. كم من عقولٍ قاصرة اعتقدت أن الكلمة الطيبة والوجه البشوش يُعطيان الحق في التجاوز، وظنوا – لوهمِهِم – أنني لقمةٌ سائغة أو صيدٌ سهل المنال! لكنني لم أمنحهم شرف المواجهة؛ كانوا دائماً يتحدثون خلف الكواليس، يتناقلون الظنون وشائعات الوهم في الخفاء، يتوارون خلف ظلالهم لأنهم يدركون أنهم أضعف من أن يقفوا أمامي وجههاً لوجه.
تجاهلتُ ظنونهم ومررتُ فوق همزِهِم ولمزِهِم بترفّع، فعدم جرأتهم على مواجهتي، واضطرارهم للحديث في غيابي، ليس إلا إقراراً ضمنياً بهيبتي، وفخراً أرتديه بكرامة؛ فالأشجار المثمرة هي وحدها من تُرمى بالحجارة من بعيد.

وفي وسط هذا الزحام المتربّص، جاء هو.. كواحةٍ في صخب الجفاء.
لم يرَنِي كما يراني العابرون، ولم يقترب منّي بطمع أو ريبة، بل تعامل معي باحترامٍ مطلق كإنسانةٍ لها روح وعقل، وكمواطنة في عالمها الخاص لها حدود وخصوصيات لا يجرؤ أحد على انتهاكها.
يرى فيّ المرأة التكريم والكرامة، ويصون كبريائي كما كان يفعل أبي تماماً.
إن وجوده في حياتي هو الرسالة التأكيدية من السماء بأن روح الأب لا تموت، بل قد يبعث الله لك في منتصف الطريق من يحمل قبساً من نوره، ليذكرك دائماً بأنكِ عزيزة، ومحاطة برعايةٍ لا تضام….

ولأن القيمة الحقيقية للأشياء لا تُعرف إلا بالثبات في وجه الأيام، فقد كان وجود هذا الصديق الاستثناء الذي أثبت لي أن المبادئ لا تتجزأ. في زمنٍ صار فيه الكثيرون يزنون النساء بموازين السطحية والغاية، وقف هو كالسدّ المنيع، يمنحني مساحتي الخاصة دون أن يقتحمها، ويستمع إلى حديثي دون أن يصادر رأيي أو يقلل من مشاعري. إن هذا الأسلوب النبيل في التعامل لم يكن مجرد تهذيبٍ ظاهري، بل كان ينبع من طينةٍ طيبة تشبه تماماً تلك الطينة التي عُجن منها أبي؛ طينة الرجال الذين يرون في حماية كرامة المرأة واعتبار إنسانيتها واجباً أخلاقياً لا يقبل المساومة.

كثيراً ما أقف بيني وبين نفسي لأتأمل كيف استطاع هذا الرجل أن يفكّ شفرة الحزن التي طالما سكنت عيني. ففي اللحظات التي يحاول فيها البعض استغلال رقتي أو تفسير لطفي على غير حقيقته، أجد في وجوده درعاً ناعماً يُشعرني بالحصانة. لا يتدخل في شؤوني بفرض السيطرة، بل بالنصح والمشورة الرفيعة التي تجعلني أشعر بأنني لستُ وحدي في هذا الميدان المعقد. إنه يتفهم تماماً أن جمال المرأة ليس دعوتَها للاستباحة، وأن دمث الخلق ليس قناعاً للضعف، بل هو ذروة القوة التي تتسامى عن الدنايا.
إن أولئك الذين يقفون في العتمة، يلوك ألسنتَهم الظن ويُحرّكهم الوهم، يعجزون عن إدراك أن المرأة القوية قد تختار الصمت والترفع ليس عجزاً عن الرد، بل لأن ردها سيكون أكبر بكثير من حجم نياطهم الصغيرة. وهي حين تركن إلى هذا الصديق، لا تبحث عن حمايةٍ من خصم، بل تبحث عن السكينة التي افتقدتها مذ رحل سندها الأول. إنهم لا يفهمون أن هناك علاقاتٍ أرقى بكثير من أطماعهم الدنيوية؛ علاقات تتأسس على الأرواح وتلتقي في نطاق النقاء الشديد، حيث تكون المرأة إنساناً كاملاً بحضورها وعقلها ومشاعرها، لا مجرد صورة يشتهيها العابرون.
في عيني هذا الصديق، أرى تقديراً يرمم ما أفسده الآخرون، وفي حرصه عليّ ألمس ذاك الأمان المتوارث الذي ظننتُ أنني فقدته للأبد.

إنه يذكرني دائماً بأن أصالتي هي سلاحي، وأن تمسكي بكرامتي هو العهد الذي قطعته لأبي في حياته وبعد مماته. وجوده في حياتي ليس مجرد صدفة جغرافية أو يتدخل فيها الزمان والمكان، بل هو رزقٌ كريم من الله، ودليلٌ حي على أن روح الأب الحاني، وإن غاب جسده عن الدنيا، فإن أنواره تتجلى في الطيبين الذين يمرون في طريقنا ليصونوا الود ويحفظوا العهد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

عاجل ...